أحمد بن علي القلقشندي
193
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ومن أدهم : مدرك كاللَّيل ، منصبّ كالسّيل ، كريم النّاصية ، جوّاب قاصية ، كأنّ غرّته صبح تنفّس في الدّجى الحالك ، وكأنّه من اللَّيل باق بين عينيه كوكب يضيء المسالك ، وكأنّ حجوله بروق تفرّقت في جوانب الغسق فحسن منظرا لذلك ؛ سنابكه يوري قدحها ( 1 ) ، وغرّته ينير صبحها ، وجوارحه مسودّ جنحها ، وصهوته كمن فيها العزّ فلا يزال ظاهرا نجحها . وممّا سوى ذلك من الجياد المختبرة ، والصّافنات المعتبرة : إذا ما صرفت اللَّحظ نحو شياتها وألوانها فالحسن عنك مغيّب ( 2 ) ! وإنما هي بصبرها على الظَّما ، وشدّة عدوها في النّور والظَّلما ، وسبقها إلى غايات رهانها ، وثباتها تحت رايات فرسانها . وتليها الفهود الحسن منظرها ، الجميل ظفرها ، الكاسب نابها وظفرها ؛ تفرّق اللَّيل في أهبها المجتمعة ، وأدركت العواصم في هضابها المرتفعة ، وجوهها كوجوه اللَّيوث الخادرة ، ووثباتها على الطَّريدة وثبات الفئة المؤمنة على الفئة الكافرة ، مقلَّصة الخواصر ، عزماتها على الوحش حواصر ؛ ما أطلقت على صيد إلا قنصته سريعا ، ولا بصرت بعانة من حمر إلا أخذتها جميعا . ثم الحوامي المعلَّمة ، والضّواري التي أضحت بالنّجح متوسّمة ، ما منها إلَّا طاوي الخاصرة ، وثباته طائلة غير قاصرة ، بنيوب كالأسنّة ،
--> ( 1 ) أي أن حوافره توري النار عندما تضرب بها حجارة الأرض . وهو من الآية الكريمة : « فالموريات قدحا » : العاديات / 2 . ( 2 ) الذي في ديوان المتنبي . إذا لم تشاهد غير حسن شياتها وأعضائها فالحسن عنك مغيّب